ثمّة ثنائية لا بد أن تظهر حين تُذكَر جائزة الملك فيصل العالمية التي شهدنا عرسها الثقافي أمس الأول وسط احتفاء علمي وثقافي دولي لافتين، ألا وهي تقدير العلم والعلماء وتكريمهم من جهة، ومن جهة أخرى الحيادية التي تتّسم بها. فالجائزة التي أنشئت في 1976 من قبل أبناء الملك الراحل بهدف المحافظة على التراث الإسلامي وتنمية الثقافة الإسلامية عبر تكريم من ساهموا بدور فاعل في خدمة الإسلام والمسلمين والمفكرين والعلماء ممن أثروا المعرفة الإنسانية ونفعوا بفكرهم وبحوثهم عدداً كبيراً من الناس رسّخت هذا الحضور الرصين الذي منحها بعداً كونياً تجاوز الأطر المحلية الضيقة بدليل أنها باتت مطمعاً لكافة الأفراد والمؤسسات العلمية والفكرية والثقافية في العالم. وهي صفات ترسّخت رصانتها وثباتها مع الوقت في تأكيد راسخ أن الأهداف النبيلة والصادقة لا تبلى مع الوقت، بل تزداد رسوخاً وتجذّراً.

ولعل مما يحسب لهذه الجائزة العالمية أنها كانت طريقاً مفضية إلى نوبل، ما يزيد درجة التقدير واليقين بأهمية هذه الجائزة وأنها تمرّدت على الأطر الفئوية الضيقة ولم تلتفت للأهداف التي تقع فيها الجوائز العالمية المختلفة من تسييس أو أدلجة، فكانت الأصالة والنبالة في الأهداف هي بؤرة ومرتكزات جائزة الملك فيصل العالمية والتي انطلقت منها ابتكارات فكرية وعلمية ستخدم العالم أجمع.

ومن المهم الإشارة إلى تأكيد صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الرئيس التنفيذي لمؤسسة الملك فيصل الخيرية رئيس هيئة جائزة الملك فيصل العالمية في المؤتمر الذي أعقب هذا العرس الثقافي، وهو أن المملكة لا تألو جهداً لخدمة جميع المسلمين في العالم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين، وأن هذه الجائزة هي امتداد لإنجازات الملك فيصل - رحمه الله - وهو نهج دأب عليه ملوك هذه البلاد حيث الاحتفاء بالعلم والعلماء، وختمها سموه بالتأكيد على أنه يجب على مجتمعنا أن يضع العلم في أولوياته وفي جميع أعماله ولا ننسى أبدًا أن القرآن الكريم حث على العلم وتكريم العلماء فجعلهم في المنزلة الأولى، ولهذا نرى أن المملكة تضع العلم والتعليم والتعلم في بداية كل خطة وكل إستراتيجية للتنمية في المملكة.

نقطة أخيرة تجدر الإشارة إليها وهي أن الجائزة في شموليتها وتعدد أهدافها الإنسانية ونبلها تضعنا أمام حقيقة لا تقبل المزايدة وهي أن تتويج الفائزين بها كل عام دلالة واضحة على قدرة الثقافة والعلم على خدمة البشرية جمعاء، ورسالة بليغة في رمزيتها تعلن بيقين راسخ مفاده أن الانفتاح على الآخر أياً كانت درجة اختلافاتنا معه متاح طالما كانت المنطلقات نزيهة ومجردة من الأهداف الضيقة.