حكى لي قائلاً: إن صديقنا -ونا- هنا تعني أننا مجموعة من أصدقائه.. قال إن صديقنا البروفيسور: ع، ع، ع، ولا تستغربوا كثرة العينات فخمسون في المئة من أسمائنا وأسماء آبائنا وأجدادنا تبدأ بالعين..

هذا الصديق العيني منذ أن فتحت عيناه على الدنيا وعيناه مفتوحة على الأسئلة فكان كثير القراءة، كثير، الجولان، في الفكر، والشعر والسياسة والفلسفة فلم يترك وادياً إلاّ هَام فيه ولم يترك جبلاً إلاّ صعده، ولا وهداً إلاّ نزل، ولا أرضاً إلا حرث فيها وحفر، كان كثير العراك مع الدنيا وشؤونها، سافر للدراسة، وعاد أستاذاً محملاً بالمعرفة والعلم، والأفكار المتجددة، والمتغيرة، وكان متحمساً لأفكاره، وحريصاً على أداء رسالته كما يقول، فحاضر، وكتب، وعلّم، وتألّم، وشكى واشتكى، وكافح، ونافح، وركض، وهرول في مغاور العقل، ولكنه في نهاية الأمر تعب وكلّ فقد حفيت قدماه، ووهن جهده، وباء كل شيء، بلا شيء كما يقول.. وأخيراً ألقى عصا الصراع، وآثر السكون، والهدوء، والتأمل على تلك المكابدات الذهنية، ثم قرر أن يفعل شيئاً آخر، أو أن ينتقل، طائعاً إلى حياة أخرى.. ليس لها صلة قرابة بحياته السابقة، أراد أن يتآخى مع الطبيعة وحياتها بعيداً عن الإنسان وشروره -كما يقول- فاشترى قطيعاً من الغنم معها حمار وكلب، وراعٍ، واشترى دجاجاً وحماماً ووضعه في شبك.. يجلس إلى الأغنام، ويخاطبها ويلاعب صغارها، ويناديها بأسمائها، فتأتيه طائعة تدور حوله وتتشممه وتأنس به.. ويزور الدجاج يتفقد أحواله، ويتابع فراخه، ويحرص على بيضه.. ويطير الحمام في السماء، يلوح له بمنديله الأبيض.. ينام بعد صلاة العشاء ويستيقظ مع أول تباشير الفجر، يحتسي قهوته ثم يدخل في عالم بهائمه وحيواناته التي أصبح مغرماً شغوفاً بها.. حيث وجد -على حد قوله- فيها العزاء عن حياة البشر المليئة بالشرور وسفك الدماء، ومناظر القتل، والإبادة، وقصف الطائرات وشظايا القنابل، والنفاق والدجل، والكذب، لقد انتقل من حياته المزورة بكل أشكال الرياء إلى عالم لا يعرف الجريمة ولا الغدر ولا الخداع.

نعم هذه حياة صديقنا الجديدة التي أصابتنا بالدهشة والحيرة.. فكيف لمثقف أمضى عمره في البحوث العلمية، والمحاججات والمصارعات الفكرية، أن يؤول إلى هذا الوضع وأن يتحول كل هذا التحول.. فهو يرى مثلاً أن أذان الديك، ونباح الكلب، ونهيق الجحش وشقشقة العصافير، وهديل الحمام، وتناوح الرياح في الشجر.. هذه الموسيقى الوجودية خير ألف مرة من ضجيج السيارات، وجحيم المدينة وهوائها الفاسد. وطاقات أهلها المنحرفة، وكل الأعمال الشاقة التي تفتك بالروح والجسد.

قد نرى نحن أن في هذا شذوذاً وخروجاً عن المألوف.. ولكننا بذلك نتجاهل أن علاقة الإنسان بكونه هي علاقة قناعة واختيار، ورضا، وليس المرء ملزماً أن يسير في موكب العناء البشري الجارف، فتمضي حياته في صخب غير اختياري.. المرء دائماً ينشد الراحة والتآلف مع الذات، والأشياء المؤنسة للقلب ومن ثم فله الحرية والحق أن يعيش كيف يشاء.

فليسعد صديقنا بحياته مع حيواناته الأليفة، هارباً عن شقائه بحياة البشر التي لم تعد أليفة كما يقول!!