فاقت برامج التواصل الاجتماعي غيرها في صناعة بل في اختراع الإشاعة السياسية الرقمية سريعة الانتشار، وإيهام المتابع بمصداقيتها، ففي بضع ثوانٍ تنتشر أشد الإشاعات فتكاً بالشعوب على كل المستويات بل وتهدد العلاقات بين الدول.. فمن الملام في ذلك؟ هل هم صناع برامج التواصل الاجتماعي ومخترعوها أم مستخدموها، وهم من يساهم في صناعة الإشاعات الذين ولا شك ساعدتهم كثيراً تقنياتها في فبركة الإشاعة السياسية بشكل لا يمكن معه إلاّ الوقوع في أطماعها بإعادة نشرها وتعميمها على مختلف البرامج التي أضحت المؤثر عالي المستولى على المتلقي، ليصبح تكذيب ونفي هذه الإشاعات مبعث عمل يتزامن مع وقوع تلك الإشاعات.

ولأن الإشاعة تمثل جزءاً لا يتجزأ من الحرب الإعلامية منذ عقودٍ مضت، ولأن صناعتها اليوم باتت في متناول الجميع بلا استثناء، فإنها لن تنتهي في المدى المنظور، ولكنها حتماً ستتراجع بشكل ملحوظ عندما تفقد نجاحها وتضمر تجارتها حين يكتشف الناس من صناعها أن أحداً بات لا يصدقهم.

السؤال حول الطعن في مصداقية بعض ما ينشر منها وما يعمم يطرح أسئلة الظاهرة، وقد بدأت تخضع للشك والريبة في أخبارها، فهل يعزى ذلك كونها هي ضريبة العصر الذي نعيش فيه.. أم هي ضريبة قصور الوعي؟

«الرياض» تطرح وجهات نظر عدد من المختصين أمام ظاهرة جديرة بالدراسة والبحث.

غياب المعلومة والحقيقة

أوضح د. نايف الوقاع - أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة والأمن الفكري - أنه في حال خروج أي شائعة لقرارات سياسية أو أوامر ملكية فيتم ردع هذه الإشاعة عن طريق الجهات الرسمية والمختصة والمتحدث الرسمي بـاسم هذه الجهات، وتنطفئ بعدها هذه الإشاعة. وسبب انتشارها غياب المعلومات والحقيقة، وهذا الذي يتيح نشر مثل هذه الإشاعات، وعند ظهور مثل هذه الإشاعات لا بد من الجهات المتخصصة التدخل وإظهار الحقيقة وعدم التهاون بِها لأنها أمور حساسة وتمس سياسة الدولة، ويجب أن يوضح للمواطن قضية نشر الإشاعات لا يقبل بها سواء كانت بحسن نية أو بغرض هدام ولخدمة العدو، هنا نقول عنه إن الأنظمة كفيلة بردعه والأجهزة الأمنية خصوصاً وجهاز أمن الدولة ومكافحة الجرائم الإلكترونية قد يصل بها إلى السجن لعشرات السنين والغرامة لعدة ملايين، وبالتالي يجب أن نبين للمواطن أو المقيم خطورة تناقل هذه الإشاعات والعقوبة التي تصل بكل من له يد بهذه الإشاعات.

وأضاف: طريقة الوعظ لم تعد هي الطريقة المثالية خاصة في ما يتعلق بجيل التقنية ووسائل العصر الحديث وبالتالي قد يكون طريقة الوعظ تأثيرها محدود خصوصاً ونحن نعلم أن مجتمع الإشاعات مجتمع واسع ويتناقل عبر القارات وليس فقط عبر الحدود أو المناطق، ولكن نحن نتكلم عن شائعة تتناقل بين الملايين خلال دقائق، القضية يجب أن يركز عليها الإعلام بطريقة الإقناع ومن خلال استضافة المختصين في هذه المجالات، وبيان أن الإشاعة البسيطة قد تكلف البلد والدولة خسائر كبيرة جداً لا يمكن السيطرة على آثارها، ثم نلجأ إلى بيان العقوبات الشديدة والمغلظة، ويجب أن يفهم كل من يتناقل هذه الإشاعات أن الوصول له وتقديمه للمحاكمة أصبحت حقيقة مع التشهير بمرتكبي هذه الإشاعات والأحكام الصادرة عليهم سيجعل الكثير من متناقلي هذه الإشاعات يتوقفون عنها فوراً.

الإشاعات السياسية

ومن جانب آخر تحدث د. فهد الطيار - أستاذ علم الاجتماع والجريمة المشارك -: تمثل الإشاعة كظاهرة اجتماعية عنصراً مهماً في نسيج كل ثقافة من الثقافات البشرية، فهي وليدة مجتمعها، وتعبر تعبيراً عميقاً عن ظروفه النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولذلك تعد المفتاح الذهبي لدراسة المجاهل العميقة لهذا المجتمع وتحديد ملامحه وخصائصه.

وانتشار الإشاعات وسرعة تبادلها وتنقلها بين أفراد المجتمع وخاصة من خلال وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي جعل تداولها في هذه المواقع أحد المتغيرات الأساسية لاستهداف المجتمعات، حيث تختلف الإشاعة في طبيعتها وهدفها والمجتمع المستهدف من ورائها، فهناك من الإشاعات تكون ذات صبغة سياسية من أهدافها تقويض الأمن العام في المجتمع، وخلق روح من السخط والعداء تجاه مؤسسات الدولة.

ومن وجهة نظري فإن التطور التكنولوجي والمعلوماتي تبعه ثورة كبيرة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تبعها على نحو متزايد عدد الأفراد المستخدمين للتكنولوجيا التواصلية والإعلامية، حيث أصبحت هذه التطبيقات متاحة للجميع بل منبراً يمارس فيه حرية الرأي والتعبير وسماع الرأي الآخر ومناقشته افتراضياً، وتبادل المعلومات بسهولة وتداول الأخبار وانتشارها بسرعة هائلة يصعب التحكم فيها، لكن هذه المعلومات والأخبار يمكن أن تحمل في طياتها أفكاراً ورسائل مغلوطة سببية هادفة من أجل خدمة أغراض معينة كالإشاعات أو الادعاءات التي لم تعد أخباراً كاذبة مزيفة يعمل على نشرها أشخاص بقصد السخرية والتضليل والتعتيم فقط بل أصبحت مدروسة وممنهجة ذات أهداف واضحة، ترمي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والأمني للدولة والعمل على إضعاف جبهتها الداخلية، وتعتبر الإشاعات إحدى أفتك الحروب النفسية، حيث يعمد صانعوها إلى التخطيط بعيد وقصير المدى بهدف خلق الظروف الملائمة لإضعاف العدو أمنياً، وخلق الثغرات والنعارات الداخلية في أوساط المجتمع، وخلق الفتن وتمزق المجتمع مما يؤدي إلى زعزعة التكامل الاجتماعي وعدم الثقة بين الأفراد.

دوافع الإشاعات

وأضاف د. الطيار: يمكن تلخيص أهداف ودوافع الإشاعات في عصرنا الحاضر وخاصة في الحرب النفسية في النقاط التالية:

  • التأثير على معنويات العدو وتفتيت قواه العامة للوصول به إلى الإرهاب النفسي.

  • استخدامها للتمويه والتعتيم كستار من الدخان لإخفاء حقيقة ما.

  • ترويج أنباء كاذبة وأخبار مشكوك في صحتها لأجل إضعاف الروح المعنوية.

  • استخدام الأساليب الحديثة لعلم النفس التي تخدم الإشـاعة للتـأثير علـى نفـسيات ومعنويات وإيرادات العدو.

ومن وجهة نظري فإن الإجراء السريع المتخذ على الجبهات السياسية حالما تصدر مثل تلك هذه الإشاعات يتحدد في:

التكذيب الفوري لمصدر الإشاعة، وعدم تجاهل الإشاعة السياسية والرد عليها، وتكليف متخصصين وخبراء في كافة المجالات للرد على الإشاعات السياسية، ومحاولة توضيح المواقف السابقة للدولة تاريخياً لتكذيب الإشاعة الحالية، ورصد دوافع الإشاعات السياسية حتى نتمكن من الرد المنظم عليها، وتعبئة كافة جهود الدولة للرد على الإشاعات.

وللشائعات تأثير كبير في تماسك النظام السياسي خاصة حينما تتعلق الإشاعة برموز الدولة، وقياداتها السياسية، فإن تأثيرها يكون أقوى، ولاسيما إذا كانت هذه الرموز بمكانة مميزة لدى أفراد المجتمع "رئيس الدولة "هنا يتعدى هدف الإشاعة التأثير النفسي والسيكولوجي إلى محاولة زعزعة الاستقرار الذي تشهده الدولة على المستويات كافة كما تهدف إلى تشويه صورة الدولة أمام العالم الخارجي ما يؤكد أن الإشاعات باتت أيضاً تستخدم كأداة للضغط السياسي من خلال تشويه صورة الدولة في الخارج.

ويمكن تنمية الوعي وتعزيزه تجاه الإشاعات السياسية من خلال توحيد مصادر المعلومات بشكل مستمر ووجود متحدث رسمي لكل جهة حكومية أو وزارة لتوحيد مصدر المعلومة وخروج الجهة المقصودة بالإشاعة لتكذيبها فوراً ومراعاة تكذيب الإشاعات السياسية بالمستندات والأدلة المقروءة أو المرئية أو المسموعة، وتربية أبناء المجتمع على التفكير الناقد وليس التفكير الناقل للأكاذيب وعقد الندوات والمؤتمرات التثقيفية بصفة مستمرة وخاصة في الجامعات للرد على الإشاعات المغرضة.

فيما تناول د. مضحي المصلوخي - أستاذ علم النفس المشارك بكلية الملك خالد العسكرية - الإشاعة من جانب آخر حيث ذكر أنها هي خبر أو معلومة مزيفة غير حقيقية أو فيها جزء من الحقيقة تنتشر في المجتمع بشكل سريع من خلال وسائل التواصل بشتى أنواعها، ويتم تداولها بين أفراد المجتمع ظناً منهم أنها صحيحة، وعادةً ما تكون تلك الإشاعات مشوقة وتحمل الإثارة، وتفتقد لمصدر موثق.

وعن الهدف من الإشاعات قال المصلوخي: إن الهدف هو الكسب المادي كما حصل في إشاعة ماكينات الخياطة في المملكة عام 2009م والتي وصلت قيمتها لآلاف الريالات، وهناك أهداف سياسية لزعزعة الأمن أو في حال الحرب، أو بغرض اللعب واللهو، وعادة ما تكون حول المشاهير في المجتمع، أو لكسب الشهرة من خلال إطلاق الإشاعات حول شخص أو موضوع ليشتهر من خلال تلك الإشاعة، وحب البعض في السبق بالكلام حول موضوعات يترقب صدورها فيقوم بإطلاق الإشاعات ليكون له السبق لدى المحيطين به.

وأشار إلى أن أسباب ظهور الإشاعات في المجتمع تتنوع ومن تلك الأسباب، انعدام مصدر للمعلومات، وندرة الأخبار للمجتمع، وعدم وجود الرد من الجهات ذات العلاقة بتكذيب تلك الإشاعات وإظهار الحقيقة، وكذلك وجود وسائل التواصل المتنوعة في انتشار تلك الإشاعات بسرعة، كذلك وجود البيئة التي تكون محفزة لانتشار تلك الإشاعات من خلال تصديقها وتناقلها، ومن الأسباب المكاسب المادية أو المعنوية لصانعي تلك الإشاعات، وكلما كانت الإشاعة ذات أهمية للآخرين، وفيها غموض تكون ذات جاذبية أكثر، وتساهم في انتشارها بين أفراد المجتمع، لذا ينبغي مواجهة الإشاعات من الجهات الأمنية ومتابعة مروجيها وإيقاع العقوبات في حقهم ليرتدعوا ويكونوا عبرة للآخرين، وكذلك الرد على تلك الإشاعات وتكذيبها من خلال الجهات الرسمية ذات العلاقة، وكذلك يجب على كل مواطن أن يكون رجل أمن لحماية هذا الوطن المعطاء المستهدف من الأعداء الذين يروجون الكثير من الإشاعات التي تلامس بعض الموضوعات في المجتمع، وتنشر حقائق مزورة وغير صحيحة، فعليهم عدم تصديقها وعدم تناقلها والإبلاغ عن مصادرها، والتركيز على الجانب الإيجابي في المواضيع التي تنشر من خلال المصادر الموثقة.

لعبة قذرة!

من جهته أوضح محمد المزيني - إعلامي وكاتب - أن من أهم أسباب انتشار الإشاعة السياسية قلة المعلومات التي تصدر من وسائل التوجيه الإعلامي والتربوي لذلك تنتشر، والإشاعة موجودة في كل المجتمعات المنغلقة على ذاتها خصوصاً السياسة ومواقع التواصل الاجتماعي، وعدم وجود مصادر المعلومات الكافية التي لها مصداقية كافية في تقديم ما يحدث في أروقة سياسة الدول العربية، لذلك يحل الخبر محل التحليل والتقرير الخاص، ثم تتلوه الحقائق بكثير من الأكاذيب، وتكبر وتصل لمواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يحتاج إلى أخلاق أو رصيد أخلاقي كبير جداً، ونفهم قول الله سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)).

وأضاف: هذه أخلاق وقيم عالية أتى بها الإسلام، ولكن للأسف لا أحد ينتبه إلى هذه القيم العالية ويطبقها في نفسه؛ لأنى الإشاعة السياسية للأسف مدمرة وخطيرة جداً، تفكك الدول والشعوب، ولا يجب أن نتساهل معها نهائياً، ولكن للأسف المتسابقون على أبواب الإشاعات والمشخصون تحت هذه اللعبة القذرة للأسف يجدون بغيتهم فيها، ويجدون المتقبلين والمصفقين، لذلك ليس هناك حقيقة في ظل تنامي المجتمعات العربية وتفكك هذه المجتمعات والفقر المعرفي والفقر الوطني عند بعض المجتمعات يجعلهم متسابقين إلى هذه الإشاعات، فليس هناك أفضل من أن نقضي على هذه الإشاعات أن نوجد قوانين رادعة جداً لمصادر هذه الإشاعات تتتبعها جيداً وتترصد لها ومن ثم السيطرة عليها وإحالتها للنيابة العامة والدوائر الأمنية المتخصصة، ومحاكمتها محاكمة شديدة جداً لا تهاون فيها، عند نشر هذه المنافذ الحركية الداخلية للمجتمع الذي يبحث عن مثل هذه الإشاعات يصبح من السهل التحكم فيه عبر المنافذ الأخرى التي هي منافذ تربوية ودينية، ومدرسية، والتخويف من تداول مثل هذه الإشاعات، وطرح هذه الإشاعات بشكل عالٍ ومقروء لهؤلاء الناس حتى يتفهموا خطورة هذه الإشاعات، أيضاً والبعد الديني له دور كبير جداً في السيطرة على عقول أو توجيه عقول الناس للسيطرة على هذه الإشاعات، وفتح معابر أو قنوات لتوصيل الحقائق للناس، داعياً الإعلام المرئي والصحفي نشر الحقيقة وتوثيقها للمشاهد أو القارئ سواء كانت سياسية أو اجتماعية حتى لا تنتشر الأكاذيب.

الوقاع: بعض الإشاعات تكلف الدول خسائر طائلة تصعب السيطرة على آثارها
الطيار: الإشاعات تخلق حالة من السخط والعداء ضد المؤسسات الرسمية
المصلوخي: يجب توعية المجتمع بزيف هذه الأكاذيب
المزيني: تنامي القصور المعرفي يجعل البعض يتسابق عليها