في اليومين الماضيين وضع لي الطبيب جهازًا في القلب للفحص والملاحظة لمدة "24" ساعة، وكان من ضمن الشروط ألا استخدم الهاتف، ولا الأجهزة، ولا أي مكان يكون فيه ذبذبات شبكات لا سلكية. مما جعل الأمر أشبه بالمهمة المستحيلة، وفي تلك الليلة تأخر السائق عن أخذي من المستشفى، فلم أستطع أن أجد مكاناً أنتظر فيه ويمتثل لهذا الشرط.

الجميع يحمل هذا الجهاز، الشيخ الكبير على العربة، يومئ برأسه ليشاهد مقطعاً بأعلى صوت، وابنه متكئ بظهره على الجدار خلف العربة، ويهاتف أحدهم بأسلوب حذق. المرأة على المقعد تعاتب ابنها لأنه يرفض أن يدعها تذهب مع ابنتها لمشوار ما وعليهم انتظاره لمدة ساعة حتى ينتهي من التمرين، وفتاة بآخر الممر تشاهد برنامج "السناب شات" بينما تصرخ الأم على طفلها الصغير لأنه يبكي في حجرها ويريد هاتفها.

كان العالم أشبه بغزو غير مرئي، لا شيء واضح أمامي سوى ذبذبات غير مرئية هي إشارة لي بالخطر وعرضتي لها سوف يشوش على ذبذبات الجهاز، ويذهب انتظاري للـ"24" ساعة القادمة هباء منثوراً على قلبي المليء بالأسلاك.

خرجت مسرعة إلى المدخل الخارجي بالشارع، أخذت نفساً عميقاً، رفعت رأسي لأجد الحارس الشاب يضع سماعته في أذنه ويبتسم في اتصاله، كنت حانقة وكأن العالم ضدي.

كان الانتظار في تلك الساعة فقط أشبه بيوم كامل، وقد أخبرت السائق عن مكاني مسبقاً، فجاهدت نفسي ألا أفتح هاتفي وأصرخ فيه على هذا التأخير، عدت إلى المنزل، ودخلت غرفتي مرهقة، وبدا الأمر جيداً حيث قررت أن أنام لآكل الوقت.

نمت جيداً بلا ردود على من تجاهلتهم خلال اليوم، نمت فقط وعفوت عن نغزات الأسلاك التي في صدري، لأنها اعفتني عن الكثير من الواجبات الوهميّة. استيقظت وأنا أحمل المسؤولية بأني تخلفت عن الكثير، كنت استشعر كل الأمور وكأنها روتين وواجب يومي.

قفزت عن سريري وذهبت إلى العمل، كانت الخطة محاولة المكوث وحدي دون أن أثير ضجة واستنفارًا عن حالتي نظراً للخصوصية، وكان الصراع هناك قصة أخرى، اذ لم أجد مكاناً لا غزو فيه من الذبذبات.

الآن أنا هنا في عصر اليوم وقد أكمل الجهاز في صدري 17 ساعة إلا دقيقة، بعد أن أنهيت كتاباً توقفت عن قراءته منذ شهرين، وبعد أن جلست مع أمي وتناولنا كوباً من قهوة "اللاتيه" غير المحلاة، مع قطعة كيكة الفستق المفضلة لها من المطعم التركي الذي زارته مع والدي منذ عامين، حتى أني جلست مع أخي عمر وعلمت أنه انهى المرحلة المتوسطة منذ العام، وأنه بالواقع يمتلك صوت فنان يمكنه من تمثيل أي صوت لك بدقة. غيّرت اتجاه سريري، وتخلصت من الصور المكررة بهاتفي، وانهيت حجوزات مواعيدي المؤجلة وأديت تماريني الرياضية.

شعرت لوهلة أن المشاعر في هذا العالم غير حقيقية، وأننا لو توقفنا قليلاً سنجد أن الحياة قد ارهقت أمامنا ونحن خلف الشاشة، ولو أن الكل خاض تجربة الجهاز في قلبه، لوجد أن العالم قد صعدوا السلالم كثيراً ونحن عالقون خلف الشاشة. وأن العافية تكمن في الشفاء من هذا الغزو،

لكني خائفة من أن انتصر وحدي في هذه المعركة! بعد مرور"24"ساعة خلعت الجهاز وكنت فزِعة، افتح هاتفي برعشة مدمن يأخذ العقار، فتدفقت الرسائل والتنبيهات والاتصالات السابقة كجرعة مخدّر في دماغي. ولأول مرة أشعر أني بعالم وهمي غير صالح للحياة.

أنا عالقة في الـ"24" ساعة القادمة وحدي.