الإنسان الذي يقتل نفسه يكون قد بلغ درجة من اليأس لا تطاق، سواء أقدم على شنق نفسه في غرفة مظلمة أو التحق بجماعة تؤمن له تفجير نفسه في الآخرين. كلا القاتلين يتركان عالماً لم يعد صالحاً للعيش. أي مكان ينتظرهما في الضفة الأخرى سيكون بالتأكيد أفضل مما تركاه.

لا أتخيل بواعث اليأس عند الإنسان الذي يقتل نفسه في غرفة مظلمة لكثرتها وتنوعها. لكن يمكن تتبع تطور حالة اليأس التي تدفع إنساناً يذهب ويقتل نفسه في الآخرين. لا أظن أن الشاب الذي يقتل نفسه من أجل قضية كبرى يعاني من مشكلة داخلية، بالتأكيد هو مؤمن ولكن مشكلته أنه ذكي. بوصفه مؤمناً يستمع لمحاضرة أن عزة الأمة وقوتها ومنعتها لن يتحقق إلا بوحدتها، يستمع إلى كل هذا بطرب حبور ويرى أن هذا هو الهدف الذي عليه أن يسعى لتحقيقه. هذا الشاب في هذه السن عندما يشبع بقضايا دولية عظمى لا يمكن أن يصنع هدفاً يخصه. كل هدف يفكر فيه سيراه تافهاً لا يستحق السعي. الأمة ممزقة ومهزومة يتكالب عليها الأعداء. كيف يجرؤ على التفكير في طموحات تخصه. هذه خيانة. ما قيمة أن يصبح مهندساً أو طبيباً أو وزيراً في أمة هذه حالها.

امتلأ قلبه بقضية متعالية على المكان والزمان. يرى نفسه صلاح الدين أو واحداً من جنوده على ظهور الخيل يدكون أسوار عكا والقدس. يرى الخليفة المنتظر والشحاذ جاثيان على الركب أمام القاضي سواسية كأسنان المشط. بيد أن ذكاءه يلزمه أن يتعامل مع الواقع بالصورة التي ازدراها الخطيب. كل شيء في هذا العالم الذي يعيش فيه رديء ورث. لا عدالة ولا كرامة ولا فضيلة. يعيش في قبضة الخطيب الذي يؤكد له أن جميع الحكام وجميع المثقفين وجميع البيروقراطيين متخاذلون متواطئون. ابتعد هدفه، صار في الفضاء الإنساني الواسع البعيد. مهما حقق في حياته الشخصية فلن يشعر بالسعادة. خرج من إنجاز ما يمكن إنجازه. أي شيء سينجح فيه سيبدو تافهاً. تم تصميم روحه بحيث لا تتعامل مع صغائر الأمور.

الحاجات البيولوجية لا تسمح له أن يبقى في الحلم. يترك حلقة الذكر التي تسيل فيها الأحلام الفاخرة ويذهب لمواجهة أموره اليومية. لا يمكن البقاء في دنيا تزداد سوءاً كل يوم.

ما الذي عليه أن يفعله؟ حبل المشنقة في الغرفة المظلمة أضيق من أن يستوعب رقبة يعلوها رأس أشبع بالمجد العظيم.