علمتنا القيادات التنفيذية الناجحة أن الركون خلف المكاتب والانغماس في الإدارة المكتبية يصيبان أي جهاز بالشلل ويفقدانه الفعالية وتلمس ومواكبة الواقع، اليوم هناك فجوة سلوكية ومعرفية ما بين المواطن المستفيد من الخدمة وبين مقدم الخدمة، ببساطة الناس يريدون المسؤول أن يقابلهم في مقر الخدمات التي يحصلون عليها ويتحدث معهم باعتبارهم شركاء، وان المسؤولية مشتركة، يريدون أن يروا إنساناً واقعياً ويتعامل بواقعية بعيداً عن منابر صحفية أو غيرها، وأن يحسوا أنه مثلهم يشعر بما يشعرون ويتألم كما يتألمون، ويهتم بهم وبتطلعاتهم ويرون الشفافية على أرض الواقع فيتحدثون معه من القلب للقلب ويبدد الشائعات والقيل والقال.

الأصل في أي مؤسسة تقدم خدمة سواء جاء وزير أو ذهب أن تكون في نفس المستوى والجودة والتطور في تقديم خدماتها، فدور الوزير في الأصل دور سياسي وإذا انغمس الوزير من أول يوم في قضايا المؤسسة وأحداث المؤسسة فسيكون ذلك على حساب الأصل الخدمات، وسيدخل فيما يسمى بالإدارة العميقة، وستتشتت جهوده ويصاب بالتوتر والإجهاد ثم ما يلبث وبعد فترة وجيزة أن ينعكس ذلك السلوك على دوره القيادي والسياسي والاجتماعي، فليس من المنطق أن نربط كل شيء بالوزير ولا نحاسب بقية القياديين الذين تحته والموظفين الذين هم المحرك والدينمو للوزارة أو المؤسسة، ويجب أن يُساءلوا عن السنوات الطويلة من عمرهم الوظيفي التي قضوها في تلك المؤسسة، وماذا فعلوا فالتاريخ يجب ألا يرحم المقصر علماً أن مدة أي وزير لن تزيد على ثماني سنوات ولكن الوزارة والتنفيذيين باقون، لذا نسأل لماذا دائماً ننظر ونقلب الهرم الإداري وهرم المسؤولية، ليصبح الوزير هو القاعدة والغالبية من المسؤولين والقياديين والموظفين هم القمة في الهرم، مؤسساتنا الخدمية لا ينقصها عدد القياديين والموظفين ولا تنقصها الكفاءات، فالدولة استثمرت فيهم طويلاً وتعلموا في كل المدارس الإدارية العالمية، ولكن من منهم خصص أغلب وقته للتجول كمدير متجول وأعد جدولاً أسبوعياً بالزيارات العادية المفاجئة في أي وقت وللمؤسسات التي تحت رئاسته وتقدم خدمات للناس.. اليوم بعض المسؤولين كأنهم (مذنب هالي) لا يرى إلا كل ثمانين عاماً، أو تجدهم في التلفزيون وفي الاستقبالات والتوديع والحفلات، وقد تتاح لك بسهولة مقابلتهم وقد لا تستطيع لأن جدولهم متخم بالأعمال المكتبية والاجتماعات والاستقبالات والسفريات وأمور أخرى على حساب الدور الحقيقي، فماذا نتوقع منهم؟

يجب أن ندرك أن العمل الوطني مسؤولية الجميع وأنه ليس خياراً أو فرض كفاية، وأن الناس سواسية في المسؤولية والدور الاجتماعي وليس العملية محصورة على شخص الوزير أو الوكيل أو المدير العام، فالوطنية والمواطنة لا تختصر أو تخصص في أشخاص وليس أمامنا إلا لغة الحوار لتحديد المسؤولية وممارسة الدور.

أعتقد نحن بحاجة لإعادة هيكلة فكر ومفهوم المسؤولية، والدور الحقيقي لكل مسؤولية، وإعادة هرم المسؤولية لوضعه الطبيعي واختيار القيادات صاحبة الإرادة والطموح الذي يتمتع بالذكاء الانفعالي.