حتى القوة في عالم اليوم، لها عدة مسارات، وكل مسار، في العادة له هدف، تنفذ منه دولته، إلى تحقيق طموحات أو تطلعات أو أهداف، تؤدي في النهاية، إلى ترسيخ قيمة الدولة في الوجدان العام مما يعطيها هيبة واحتراماً وتكون لها بصمة مؤثرة بين الأمم. نابليون بونابرت، عندما نزل بقواته على شاطئ الإسكندرية، في بدايات القرن التاسع عشر كان برفقته إلى جانب القوات العسكرية المطابع أو المطبعة والعلماء في الجغرافيا والتاريخ والآثار واللغة والطب والهندسة وعديد من العلوم الأخرى، كل هذه الأعتدة، كانت تؤشر إلى مغزى لا يخفى على أحد، نحن لا نملك العصى فقط، ولكننا نملك الجزرة أيضاً، وباشر من كانوا في معية نابليون مهامهم فوراً!، ما أحدثته فرنسا المستعمرة في مصر، أحدثته في عديد من الدول الأفريقية والآسيوية، فرنسا أرست لغتها في الدول الأفريقية، ربما باستثناء دول قليلة، أبرزها مصر وسورية، لكنها في هاتين الدولتين، كانت سبباً رئيسياً في ترسيخ قيمة التاريخ والعمارة والاكتشافات الأثرية. ما أحدثته فرنسا أحدثته بريطانيا وذراعها المؤثرة، شركة الهند الشرقية، وما أحدثته من نقلات في الهند وشرق أفريقيا وجنوبها، وفي بعض دول الخليج، وفي العراق ومصر، ثنائية الجزرة والعصا كانت حاضرة لكن في النهاية انتهى الدور المباشر للعصى، وبقي الدور الناعم دور القوة الناعمة ومنظومة الكومنولث والفرانكوفونية مازالت حتى الآن تبسط ظلها من خلال الدعم المادي والمعنوي ثقافياً وسياسياً وعلمياً!

حتى الدول المستعمرة الأخرى، تركت أثراً، لكنه بجانب الوجود الفرنسي والإنجليزي، آثاره باهتة، تجارة عبيد وقمع، عصاة فقط! وهناك دول أخرى كانت أشبه بالعين، لنفسها وللغير، ترسل الجواسيس، تحت عناوين مختلفة، وفائدة هؤلاء رغم أهدافهم التي اتضحت فيما بعد، كانت مفيدة لنا في العالم العربي والجزيرة العربية، فقد كان الجهل متفشياً في ديارنا، ولولاهم لضاعت العديد من ملامحنا التاريخية والأثرية والجغرافية، ولنأخذ من هؤلاء المجاهدين في الإخلاص لرسالتهم، داوتي، بوركهارت، علي العباسي، فيلبي، لورانس، أن بلنت، الدون رتر، جيل جرفيه، كورتلمون، وغيرهم، وسوف تبحث للدولة العثمانية عن معالم أو تأثير في الدول الإسلامية وغير الإسلامية التي هيمنت عليها لعقود طويلة، ولن تجد إلا أقل القليل، للأسف الشديد، وبالذات في الدول العربية ومنطقة البلقان.

في العالم العربي لن تجد القوة الناعمة إلا قليلاً تتمثل في الوقوف بصلابة في وجه قوى الظلام، هذه القوى ثبت أنها المسؤولة عن التخلف في رعاية الآداب والفنون ولجم المواهب والاختراعات. لقد ساهم المستعمر في كثير من أوجه التغيير في العالم الثالث منها وضع الدساتير وكفالة الحريات والاكتشافات الأثرية، كلها تقريباً للمستثمر دور في بروزها، دون أن يعني ذلك أن المستعمر كان عادلاً بالمطلق، كثير مما ساهم به يستفيد هو منه كما يستفيد ابن البلد، حتى شق الطرق والقطارات والكهرباء والتلغراف.