نحن في هذه البلاد المباركة ننعم بالوفرة والفيض والأمن والأمان، وكل هذا وذاك فضل من الله تعالى الذي يمن بالزيادة على من شكر: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، فإذا أردنا المزيد فما علينا سوى الشكر لله، فبالشكر نقيد نعمة دانية ونجلب نعمة قاصية، ثم نتوجه بالشكر إلى ولاة أمرنا الذين نذروا أنفسهم لإسعاد هذا الوطن ومواطنيه والمقيمين فيه، فلهم منا الشكر والعرفان على كل خير قدموه لنا.

لكن على الرغم من هذا العيش الرغيد والأمن الذي نتفيأ ظلاله يوجد هناك أناس ينكرون هذا النعيم، وهؤلاء قد نسوا ما كانت عليه بلادنا قبل قرن من الزمان وما كان عليه الآباء والأجداد في ذلك الوقت من شظف العيش وغياب الأمن، ومع هذا كله عاشوا يشكرون الله، لأنهم أدركوا أن الحياة السعيدة لا تكمن في المال، وإنما هي قيم ومبادئ ناهيكم عن عبادة خالصة يرفعونها لرب هذا الكون، فكان نتاج ذلك أن درجوا على ظهر الأرض سعداء لأنهم يعلمون أن الذي بيده الرزق هو الله، فنجحوا وقتها وكان لهم عند الله الجزاء الأوفى.. وهو أن منّ الله على أجيالهم اللاحقة بالوفرة والفيض والأمن الوارف.. وهذا ما عشناه بالأمس القريب وما نعيشه اليوم. إن الأيام قُلَّب فيوم رخاء يتوجب فيه الشكر، ويوم عوز يتطلب فيه الصبر.. فأقول لأولئك: على رسلكم إنكم اليوم تعيشون أيام رخاء لا شدة، فلماذا هذا القنوط والجحود؟ وأنتم في بحبوحة من العيش الرغيد والأمن الوارف، وإني أخشى إذا تفشى بيننا هذا القنوط بأن يعاقبنا الله بضد هذا النعيم. إن الحياة السعيدة ليست عبارة عن ملء الجيوب بل هي أسمى من ذلك، فالحياة السعيدة قيم ومبادئ وعبادة محضة يُتوجه بها إلى المنعم جل جلاله، وحتى يكون لنا هذا ما علينا سوى التشبث بكلمة الله فيرسل علينا السماء مدراراً ويحل بساحتنا الأمن: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). وختاماً أرجو ممن يقومون على تربية النشء أن يغرسوا عند الناشئة منظومة قيم ومبادئ يدخرونها لتقلب الليالي والأيام. ومع الأسف أننا نعد ناشئتنا بملء جيوبهم بالمال قبل أن نعدهم بملء أفئدتهم سكينة وطمأنينة وقيماً ومبادئ يعيشون على جسورها وقت الأزمات والتقلبات، وأن نغرس عندهم أن قيمة الإنسان لا تكمن في المال بل تكمن فيما عليه من قيم ومبادئ.. ولا يكون هذا إلا عبر تعليم هادف يتبنى مثل هذه السلوكيات. إن الشعوب لن تسمو بذاتها إلا بمثل تعليم هكذا نهجه، وإننا لن نلمس سماء المجد إلا حينما يُغرس عند ناشئتنا تعليم يرتكز على مثل هذه المبادئ.