لا شك أن ثمة رابطاً قوياً بين القناعة والترشيد، فبدون توفر القناعة لن يكون بمقدور الترشيد تجاوز جسر الإسراف والتبذير وفي ظل غياب التعقل والحكمة، القناعة شعور والترشيد سلوك ولا يمكن تطبيق هذا السلوك ما لم يتكئ على قاعدة القناعة الصلبة، ولكي تتوفر القناعة فإن هذا يتطلب استشعار قيمة الجهد والاجتهاد ومشقة الحصول على الأجر، ليدير الاتزان مسار العاطفة ويكبح جماح النفس ويوثق الصلة بالحكمة والاتزان، وينبغي عدم الخلط في المفاهيم والتفريق بين الإسراف والسخاء والبخل والحرص، فإن تكن سخياً كريم النفس لا يستوجب أن تكون مسرفاً، وأن تكون حريصاً على مالك ومشاعرك لا يستوجب أن تقفل المخارج. إن الوعي الاستهلاكي بمفهومه الشامل يعد حجر الأساس في علاج كثير من الأمور لاسيما الاقتصادية، وبدون تعاون الجميع من الأسرة إلى المدرسة ناهيك عن دور الإعلام من خلال تمرير الأمثلة الخلاقة والتي تدعو إلى الاتزان، وأي تقصير في غرس المفاهيم اللائقة فإننا سنظل مكانك سر، وستستمر الشكوى من موجات الغلاء الباردة والساخنة لتقض مضاجع الآباء والأمهات، إن المقاربة المنطقية بين الواقع ومعطياته والمستقبل ومفاجآته يتطلب تفعيل هذه البرامج خصوصاً في المدارس.

في فترة الشباب تكون النظرة محدودة نوعاً ما، فعلى سبيل المثال حينما يقوم كبار السن بإطفاء الأنوار خصوصاً اذا كان المكان خالياً يسيطر على الذهن البخل بثوبه القبيح، فيخيل إلى الشاب أن هذا بخل لكي يتم توفير قيمة الفاتورة، غير أن المفهوم الأوسع والأشمل لهذا الكبير سناً وإدراكاً يسبق تصور الشاب، أولاً امتثالاً لأمر الله عز وجل بعدم التبذير والإسراف، ثانياً لأنه يدرك أن هذه طاقة واستخدامها على الوجه الأمثل يعني أيضا إتاحة الفرصة لكي يتسنى للآخرين الاستفادة منها، ومعلوم أنه كلما اشتد الضغط على الطاقة خصوصاً الكهرباء كان هذا سبباً في انقطاع الكهرباء على الأحياء الأخرى، ناهيك عن التوفير في الجانب الاقتصادي، هذا نموذج من عدة نماذج تتكرر ليس في مجال الكهرباء فحسب بل في جميع شؤون الحياة، المسألة ليست عجزاً أو عدم قدرة بقدر ما هو حس وطني صادق ينطوي على إدراك كامل مع ما تتطلبه المرحلة من تكامل في هذا الاتجاه، فإذا كان الإنسان يساهم مع أسرته الصغيرة في شق دروب الحياة، فإن الوطن هو الأسرة الكبيرة والمساهمة مع هذه الأسرة الكبيرة تتمثل في التفاعل مع أهدافها، ومن ضمنها بلا ريب الحرص والمحافظة على المقدرات والمكتسبات من خلال الترشيد كما أسلفت، وهذا بدوره يحيلنا إلى حتمية ملامسة العمق في ترسيخ المفاهيم وغرسها في الأفئدة ليس من بخل أو قلة، بل طاعة لرب العالمين في المقام الأول وحساً فكرياً ينبض بالرقي بلوغاً إلى تحقيق الرضا في الأداء والقناعة في الأخذ والعطاء.