للجسد قوة ديناميكية حيوية لها تأثير على العقل، وللعقل قوة أشد في التحكم بالجسد. ولقد ذكر أبو الطب -ابن سينا- أن "مرض الإنسان وشفاءه معقود بعقله، متى ما فكر بأنه مريض مرض ومتى ما فكر بأنه معافى تعافى". ولقد سبق ابنَ سينا المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما قال: "لا تتمارضوا فتمرضوا فتمتوا". وفي هذا الحديث إشارة بالغة الأهمية بأن للعقل قوة نافذة تجاه الجسد والعكس صحيح.

والمتقصي للأبحاث العلمية يجد دلائلاً واضحة عن كيفية تأثير التفكير غير السوي على المعدة -مثلاً- وذلك بجعلها تتقرح، وكذلك في فقدان الشعر وما إلى ذلك، ومن الجانب الآخر يرى كيف يذهب المرض أحياناً بعقل الإنسان ونفسيته ولو بالتشخيص الخاطئ، فلكم أصيب بعض الناس باضطرابات نفسية إثر تشخيص خاطئ.

وفي العصر الحديث وجدت دراسات حثيثة هدفها تقصي إزالة أنواع كثيرة من الأمراض من خلال العلاج النفسي والعلاج السلوكي المعرفي وذلك للاستغناء عن العقاقير الطبية والاستعاضة عنها ببعض العلاجات التي تسمى Placebo وهي أنواع من المركبات الطبيعية غير الحاوية على علاجات بالأصل، بل لا تعدو كونها مستحلبات سكرية في بعض الأحيان لكنها تعطى للمريض وفق كبسولات باهظة الثمن أحياناً وبألوان زاهية لكي تكون لدى المريض قناعة بأنها العلاج للمرض الذي يعاني منه.

وقد أجريت دراسات متعددة على أناس يعانون من أمراض عضال مثل السرطان وضعف جهاز المناعة، وأدت هذه العلاجات إلى نتائج محمودة، بل وشفي كثير من المرضى. والسر في ذلك ليس في العلاج Placebo وإنما في الجرعات النفسية التي تعطَى للمريض من أجل شل حركة الدماغ في التفكير بأنه مريض وإصباغ قوة العلاج الجديد حتى يتسنى للعقل تصديق الأمر ومن ثم إفراز العلاج من داخل الجسد.

مثل هذه الدراسات وغيرها الكثير لها ارتباط بما يحدث في خلد الإنسان منذ الطفولة حتى يغادر الحياة، وتعزيز الجانب النفسي والعقلي لدى الأفراد يؤدي إلى تأصيل مفهوم الصحة. فالارتباط النفسي والجسدي لا ينفصلان، وما يدور في العقل له دور كبير على ما يدور في الجسد، والصحة النفسية لها دور حيوي في الانتاج واستثمار الطاقات وبذل المجهود.

لابد من مراجعة دورية للنفس من خلال الخلوات للنظر للمؤثرات بأنواعها والتي قد تتوغل لنا من خلال الحراك اليومي والتفاعل مع البشر حتى يتسنى للأفراد تصحيح المسار من أجل الاستمرار في الإنتاج، ولكشف ذلك لا نحتاج إلى جلسات نفسية مع الأطباء النفسيين وإنما من خلال تدقيق الذات (بل الإنسان على نفسه بصيره ولو ألقى معاذيره)، أنت من تفهم نفسك وتعلم ما توغل إليها سلباً وإيجاباً.