في زمننا المتسارع لم تعد الخدمات الإلكترونية الموحدة قادرة على إنجاز العديد من المهام المعقدة والوفاء بفضاءات ابتكار الأجيال الحالية علمياً وتكنولوجياً؛ ليشهد العالم المتقدم في سنواته الأخيرة ثورة مدوية في مجال الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence، باعتباره سلاحاً ذا حدين، في مقدرونا تطويعه وتطويره لتحقيق أقصى درجات الرفاهية دون قلق وخوف.

وفي وقتنا الراهن لا يخلو مجال حياتي من توظيف تطبيقات "الذكاء الاصطناعي"، في الطب والهندسة والتسليح والتصنيع والاستثمار وعلوم الفضاء والاتصال والتقنية والسينما والفن.. ما يضع على عاتق وزارة التعليم والجامعات معاً مسؤوليات جسيمة لتطوير سياساتها ومناهجها واستراتيجياتها لمواكبة الثورة الاصطناعية الحديثة، والتي كانت بمثابة الشرارة التي أضاءت أمام التربويين مساحات جديدة في البحث عن دور التربية في إثراء ثقافة الذكاء الاصطناعي وتضمينه نظرياً وتطبيقياً في مراحل التعليم المختلفة.

ورغم أننا ندرك جيداً أن توفير محتوى إلكتروني متكامل في الجامعات والمدارس، بدءاً من الأهداف حتى التقييم، عبر العديد من الشبكات والنظم والمنصات الذكية لا يمثل سوى 1 % من المنجز التقني الحديث داخل الحقل التربوي؛ لأن ثمة بقاعاً أخرى يجب أن تُقتحم وتكون مثاراً للدراسة والبحث والتطبيق المعملي والحياتي، لا سيما علوم الذكاء الاصطناعي ومساراته المهنية المتفردة في المستقبل الحافل بالمستجدات والمتغيرات المفاجئة.

ومن أجل المنعطف نفسه، تظهر أهمية وضع "سياسات تعليمية" جديدة تجعل من الذكاء الاصطناعي اليوم أسلوباً ضرورياً لضمان جودة الحياة المدرسية ومخرجات التعلم، وأن يكون ضمن رؤية مدارسنا ورسالتها ومناهجها وطرقها التدريسية وعناصر العملية التعليمية كافة، ومنه نطمح بشدة في وضع مناهج إلكترونية تبسط للطلاب الصغار ماهية الذكاء الاصطناعي وأهدافه وما يثار حوله من مخاوف وخرافات، وأبعاد تطبيقه واستخداماته في شتى مجالات العلم والحياة، لتكون جميع الاستراتيجيات موجهة نحو تشجيع المتعلمين على حل المشكلات الواقعية والمستقبلية وخلق مشروعات جديدة بالاعتماد على خوارزميات ومسلمات الذكاء الاصطناعي المعرفية، داخل وخارج أسوار المدرسة.

ونختم أهمية ما كشفه عملاق مؤسسات التعليم الدولي بيرسون Pearson المتخصصة في تقديم خدمات التعليم في العالم في تقريرها الدولي الأخير كيف أن الذكاء الاصطناعي سيحول مسار التعليم بشكل إيجابي في السنوات المقبلة، وأنه الثورة التي ستغير خارطة التعليم والبحث والحياة في المستقبل.. ومنه يستدعينا في مقالات قادمة للخوض في عناصر العملية التعليمية وسنبدؤها "المعلم" ومصيره مع "الذكاء الاصطناعي"!.