هنالك فرقٌ شاسع بين قول الشاعر اللبناني الأخطل الصغير:

يبكي ويضحك لاحزناً ولا فرحا

كعاشقٍ خطَّ سطراً في الهوى ومحا

من بسمة النجم هَمْسٌ في قصائده

ومن مُخَالسة الظّبـي الذي سـنحا

قلبٌ تمرّس باللذات وهو فتى

كَبُرْعُم لـمـسته الريح فانفـتحا

ما للأقاحية السمراء قد صرفـتْ

عـنّا هواها؟ أرقُّ الـحسن ما سمحا

لو كنت تدرين ما ألقاه من شجنٍ

لكنتِ أرفقَ مـن آسى ومن صفحا

غداةَ لوَّحْتِ بالآمال باسمةً

لان الذي ثار وانقاد الذي جمحا

فالروضُ مهما زهتْ قفرٌ إذا حُرِمَتْ

من جانحٍ رفَّ أو من صادحٍ صدحا

وقول الشاعر القديم ذي الرمّة:

أمنْ دْمَنة بينَ القلات وشارعٍ

تصابيتَ حتى ظلّتِ العينُ تَدْمَعُ

عشيِّةَ ما لي حيلةٌ غيرَ أنَّني

بِلَقْط الحصى والخَطِّ في التَّرْب مُوْلَعُ

أَخُطُّ وأمحو الخطَّ ثم أُعيْدُهُ

بِكَفيَّ والغرْبانُ في الدار وُقَّعُ

فالأول مُتْرَفٌ عاشق بين الصبايا الحسان، والزهور اليانعه، والمياه الجارية، والمسطحات الخضراء، فشعره مغزول بالفرح والطرب بين وصال ودلال، حتى شدت بشعره سفيرة النجوم (فيروز) بصوتها الجميل، فطار في الآفاق، وسار على كل لسان..

ما أبعد الفرق بينه وبين ذي الرمة المسكين، الذي وقع في حب (مي) من نظرةٍ عابرة لم يَنَل منها شيئاً غير هذا اللقب الصحراوي، فقد ورد أنه اشتد به العطش فقصد بيتا من الشَّعَر ونادى طالباً ماء، فخرجت له فتاة جميلة ورأت أعرابياً لوّحته الشمس وطوّحت به متاهة الصحراء وعلى غاربه حَبْل، فنظر إليها وارتبك (وجف حلقه فوق ما هو جاف) وقال لها بصوت مبحوح وهو يُبحلق فيها كالمدهوش: ماء! وهنا سمع أمها تقول من داخل الخِباء: من الطارق يا ميّ؟ فقالت: ذو رِمّةٍ يريد ماء! وأحضرت له الماء فشرب منه ومن عينيها ووقع في حبها (على أم رأسه) ولم يظفر منها إلّا بهذا اللقب الذي ظاهره (ذو الحبل) وباطنه (الجثة) ولكنه ظلّ هائماً بها مُغرماً بجمالها يزور بيتها فلا يجد غير أطلالها يلقط منها الحصى ويشمه، ويخط الخط على التراب ويمحوه، والغربان تقع حوله، كأنما تنذره بمصيره، فقد هلك عطشاً هو وناقته في مجاهل الصحراء حتى قالوا (هَفّ هفّة صيدح) وهذا اسم ناقته..

أولئك أجدادنا في صحرائنا القاحلة، لكن الأمور تغيّرت إلى الأفضل بشكل لا يخطر على البال، حتى إن صحراءنا صارت مقصداً لأكثر الشعوب ترفاً وغنى في الماضي.. حاضرنا جميل وغدنا أجمل بحول الله.