وجود موقف ما من التقنية ليس بالأمر الجديد هذا ما حاول تأكيده الكاتب بدر الراشد في محاضرته التي ألقاها ضمن جلسات ملتقى فكر بنادي القصيم الأدبي بعنوان (التشاؤم الفلسفي من التقنية: مقاربة نقدية)، وقال الراشد: إذا ذهبنا إلى النقاشات الفكرية والمجال الأكاديمي، سنجد أن التقنية باتت اليوم موضوعا يُبحث في عدة اختصاصات بشكل متوازٍ، في علوم السياسية والاقتصاد، وعلوم الاتصال والاجتماع والنفس، وعلم الأخلاق والفلسفة وبسبب تعقيد واقع التقنية اليوم، أصبحت دراستها أكثر تعقيدا، وأكثر تفصيلية إن صح الوصف، فلم يعد يكفي أن تملك موقفا عاما شموليا تجاه التقنية، متفائلاً كان أو متشائما، بل باتت التطورات التقنية المتلاحقة تطرح أسئلة تفصيلية حول تقنيات بعينها واستخدامات محددة. كما تناول الراشد في حديثه عن ماهية التقنية وانعكاساتها من خلال رؤيتين لهربارت ماركوز واستاذه مارتن هيدجر، فهو يرى أن الاختلاف الرئيس بينهما في أن الأخير خصص الجزء الأكبر من نقده للتقنية على تأثيراتها المباشرة على المجتمع وعالم السياسة، أكثر من انتقاد المتافيزيقيا الكامنة وراء التقنية، النقطة التي تحدث عنها هيدجر بإسهاب. فهدف مساءلة التقنية من وجهة نظر هيدجر أن نقيم علاقة حرة معها، وهذا لا يكون إلا عن طريق تفتح كينونتنا على ماهية التقنية. وفي ختام ورقته يبين الراشد قائلا لم تتغير الجذور الأساسية لجنوح البشر إلى التقنية، والكامنة في رغبتهم بالسيطرة، إلا أن الإنسان بعد قرن ونصف القرن من الثورة الصناعية، بات يوجه رغبته بالسيطرة باتجاهات أكثر مسؤولية وأقل تدميرية. وهذه الرؤية قد تبدو متفائلة، فمخاوف تدمير الأرض بقنبلة هيدروجينية أو حرب نووية ما تزال قائمة إلا أن هذا التفاؤل له ما يبرره، صحيح أن تقنيات الحرب باتت أكثر تطوراً اليوم، من الطائرات بدون طيار، وحتى الرجال الآليين المحاربين، إلا أن هناك ما يدعونا لاعتقاد أن معجزة قد تحدث، وتتحول اهتمامات البشر التقنية لتصبح أكثر فاعلية في قطاعات ذات مردود إيجابي على البشر والكوكب. وهو مشاهد فيما يتعلق بنجاح الناشطين في حماية البيئة عبر فرض أجندتهم على الصعيد الدولي، وتحويل مخاوفهم من تدمير الكوكب إلى أجندة تطرح على المؤتمرات الاقتصادية الدولية والنقاشات السياسية، وما اتفاقية باريس للمناخ إلا مثال على هذا التوجه.